بحث

جار التحميل...
مشاركة

إن القرب الجغرافي و التموقع الاستراتيجي يفسران بشكل كبير تلك الروابط الممتازة و العلاقات الاقتصاديّة و التجاريّة الوثيقة التي نسجتها البلاد التونسية مع مختلف بلدان الاتحاد الأوروبي. فمنطقة التبادل هذه التي اعتبرت على مدى الزمن أنّها “طبيعيّة”، تحوّلت بسرعة حثيثة إلى منطقة “رسميّة” إثر اتفاقيات اقتصاديّة مختلفة عقدت بين الشريكين منذ 1969 [1]. ولعلّ آخر هذه الاتفاقيّات من حيث الزمن اتفاقية الشراكة المتقدمة التي أبرمت في نوفمبر 2012 و التي كان الهدف منها الإدماج المتقدم للاقتصاد التونسي في صلب الاتحاد الأوروبي عبر إرساء اتفاق التبادل الحر الشامل و المعمّق (الأليكا).

و في القلب من سياسة الجوار الأوروبيّة و اتفاق التعاون ، تصنّف الأليكا ضمن الاتفافيّات التي يطلق عليها اتفاقيات الشراكة للجيل الثاني أو OMC+ .ففضلا عن تخفيض  الأسعار في المواد الصناعية و منح بعض الامتيازات في تبادل بعض المواد الفلاحيّة، فإن هذا الاتفاق يتطلّع إلى تحرير كلّ القطاعات و موائمة التشريعات المتعلقة بالمناخ الاقتصادي و القانوني بين مختلف الأطراف الموقّعة على الاتفاقيّة.

عديدة هي المجالات[2] التي ستشملها المفاوضات في إطار هذا التعاون المتميّز. وبعض النقاط التي تمّ التطرّق إليها قد سبق و أن أثار جدلا واسعا لدى المجتمع المدني التونسي منذ بداية المفاوضات في أكتوبر 2015. فارتفعت عديد الأصوات لمعارضة الاتفاق باعتباره اتفاقا “ذا طبيعة استعماريّة” و عنوان تبعيّة جديدة للبلاد تجاه القوى الغربيّة[3]. في حين يرى عديد الخبراء أن هذا الاتفاق فرصة مثالية كي تتمكّن البلاد من الانخراط بنجاح صلب الاقتصاد العالمي ،و لعلّ موازنة الآراء المساندة و المعارضة يبقى أمرا من الصعوبة بمكان.

ضمن هذه القراءة سنبدأ أولا بعرض مختلف التحديات الواقعيّة باختلاف مجالاتها: الاقتصاديّة، السياسيّة و الاجتماعيّة. ثم سنتعرض بعد ذلك إلى مختلف الفرص التي بالإمكان في حال تطويرها أن تمكّن تونس من جعل هذا الاتفاق فرصة كبيرة للمضيّ قدما في الإصلاحات الكبرى

معارضة الأليكا: المدركات و الحقائق

إن الردود الشعبيّة الاتفاقيّات الاقتصاديّة الإقليميّة ليست استثناء تونسيّا فحسب. فديناميكية هذه الاتفاقيّات قد تواترت بقوّة خلال السنوات الأخيرة ،و تمكّنت المعارضة الشديدة من المجتمع المدني في العالم من صدّ عديد الاتفاقيّات الجديدة على غرار TTIP  بين الولايات المتحدة و الاتحاد الأوروبي أو اتفاق السيتا[4] ((CETA [5]بين الاتحاد الأوروبي و كندا أو في حالات أخرى قد ساهمت في إعادة النظر في عديد الاتفاقيات التاريخية مثل البركسيت. كذلك ، فقد أدّى الصراع بين الحكومة و المعارضة حول إبرام اتفاق للتعاون مع الاتحاد الأوروبي إلى قلب نظام الحكم و اندلاع حرب أهليّة ، مثلما حصل في أوكرانيا سنة [6]2013.

أما في تونس فإن الأصوات التي تندّد باعتماد اتفاقية الأليكا، تستدلّ بعدد من المخاطر التي تهدّد أساسا ثلاثة مجالات: ضمان حقوق الملكية الفكرية، النفاذ إلى الأسواق العموميّة و تبادل المنتجات الزراعيّة.

كان تمديد ترخيص الأدوية إلى أكثر من 20 عاما كما قد نصّت عليه المنظمة العالمية للتجارة، مثيرا ا لعديد التخوفات من قبل المختصّين في الصناعة الصيدلانيّة. فقد اعتُبر هذا الاقتراح من الاتحاد الأوروبي خطرا قائما يتهدّد صناعة الأدوية الجنيسة التي تغطّي نسبة 70 بالمائة من حاجيات التونسيّين. كما أن ارتفاع أسعار الأدوية لن يؤدّي سوى إلى مضاعفة مشاكل الصحّة العموميّة في البلاد.

من جهته، فإنّ الفصل الثاني من القسم المخصص للصفقات العموميّة في اتفاقية الأليكا و المعنون ب” إجراءات عدم التمييز”[7] يتيح للشركات التونسية و مثيلاتها من الاتحاد الأوروبي المشاركة في طلبات العروض العموميّة على قدم المساواة، وهو ما من شأنه أن يشكل خطرا على ثلاثة مستويات:

  •   خطر على الشركات الصغرى والمتوسطة التي يمكن أن تُحرم من الامتيازات المقدّمة لها من قبل السلطات [8]الرسميّة. 
  •  فقدان إمكانيّة اللجوء إلى الصفقات العموميّة التي يتمّ استعمالها أحيانا كأداة لتطبيق استراتيجيات متعدّدة للتنمية و تحقيق عديد الأهداف الاقتصاديّة و الاجتماعيّة. 
  • تهديد السيادة الوطنيّة في حالة كانت هذه الصفقات متعلّقة بالمجالات المرتبطة بأمن الدولة.

غير أنّ أهمّ المخاوف تجاه اتفاقية الأليكا تتمحور أساسا في المجال الفلاحي، الذي يعتبر حسب تحقيق قام به المعهد العربي لرؤساء المؤسسات  سنة 2017،[9] أكثر المؤشرات دقة في فهم حجج معارضي الأليكا. إذ في إطار هذا الاتفاق سيعبّر الطرفان عن رغبتهما في تحقيق تحرير تام للمواد الفلاحيّة و مواد الصيد و المواد الفلاحيّة المحوّلة، مع بعض الاستثناءات من كلّ جانب. وهو ما نعبّر عنه بالمقاربة عبر “القائمة السلبيّة”، التي تقصي من تحرير الأسعار عددا من المواد الحساسة التي تخضع إلى معالجة خاصّة. اعتبرت هذه المقاربة مثيرة للجدل، على اعتبار أن الانفتاح شبه الكامل للفلاحة التونسية و هي في وضعها الحالي قد يسبّب تبعات على مستويات متعدّدة: اقتصاديّة و اجتماعيّة و بيئيّة، مع الأخذ بعين الاعتبار التفاوت الصارخ من حيث التنافسيّة بين الشريكين الاقتصاديّين. و أسباب هذا التفاوت نابعة أساسا من الظروف المناخية، الطفرة التكنولوجية و خصوصا الدّعم القوي الذي يتمتّع به الفلاحون في الاتحاد الأوروبي. فتحرير الفلاحة على الوجه الحالي سيساهم بالتأكيد في تراجع الاستثمارات الصغيرة الناشطة خاصّة في ميدان الحبوب و اللحوم و الحليب (70 المائة من الاستثمارات لا تتجاوز مساحتها العشرة هكتارات).[10] أما التهديد الآخر فهو إعادة توجيه النشاط الفلاحي للمواد الإستراتيجية في اتجاه الصناعة التصديريّة، التي تعتبر من النشاطات المستهلكة بكثرة للمياه. و بخلاف تأثيراتها البيئيّة تشكّل هذه التحولات بلا شكّ تهديدا للأمن الغذائي. غير أن تونس مدعوّة كذلك إلى تحقيق تقارب كبير في التدابير الصحيّة وتدابير الصحّة النّباتيّة مع معايير الاتحاد الأوروبي مما يعسّر على الفلاحين التونسيين الالتزام بهذه القواعد الجديدة بسبب ضعف النفاذ إلى المعلومة و الخبرة التقنيّة و مصادر التمويل لديهم.

إن تهديدات الأليكا للاقتصاد التونسي حقيقية للغاية. و الإدارة السيئة للمفاوضات قد تساهم في تقهقر خدمات الصحة العمومية، كما قد تساهم كذلك في انقراض المشاريع الفلاحية الصغيرة و زيادة التصحر في المناطق الريفية أو حتى تهديد السيادة الوطنية و خاصة عبر نظام التحكيم الذي اقترحه أساسا الاتحاد الأوروبي (خدمة لمصالحه).

مع ذلك يجب الالتفات إلى حقيقة بديهيّة تتمثل في أن الاقتصاد التونسي في وضعه الحالي لا يمكن له الخروج رابحا في أي حال سواء في هذا الاتفاق أو أي نوع من الشراكة عموما. فهذا القطاع الفلاحي التقليدي الذي لم يدخل مرحلة التعصير إلا لماما، و الذي ينشط كذلك في أراض مجزأة و يبقى مرتهنا بشكل متواصل لتقلبات المناخ لا يمكن له بتاتا منافسة أي فلاحة عصريّة و مدعومة من الدولة. أما قطاع الصحة العمومية الذي يعاني الاحتضار فلا يمكن له هو الآخر تحمل المصاعب التي ستحدّ من صناعة الأدوية الجنيسة.كما ستظل المحاباة و قضايا الفساد المرتبطة بطلبات العروض مقاومة لأيّ محاولة تهدف إلى إضافة جرعة من المنافسة في توزيع الصفقات العموميّة. لذا يبدو أنّه من الضروري و المستعجل الشروع في الإصلاحات الكبرى التي ننتظرها منذ ثورة سنة 2011.

النجاح في الأليكا، أية مؤهلات تمتلكها تونس؟

إن الصعوبات المواجهة لتحقيق الأليكا متعدّدة و ذات طبيعة مختلفة: اقتصاديّة و سياسيّة و اجتماعيّة و حتى بيئية. و لكن هل هذه حجة كافية للتراجع عن المفاوضات؟ قطعا لا. فعلى اعتبار أن الاتفاق لم يتقدّم بعد أشواطا كثيرة ، فإن الوقت قد حان لاغتنام الفرصة و إعداد المقترحات المضادّة. فبعيدا عن التهديدات و المحاذير، يمثّل الاقتصاد التونسي فرصا عديدة قد يمكّن تطويرها من إحداث شراكة رابحة مع الاتحاد الأوروبي

مؤهلات واعدة لاندماج مميّز في سلسلة القيمة  الدوليّة

كانت البلاد التونسية منذ القديم تعتمد على اقتصاد موجّه للتصدير ، غير أن هذا الانفتاح لم يمكّن من تسجيل نسبة نمو كافية لامتصاص البطالة المتنامية بشكل هيكلي خصوصا في السنوات الأخيرة. صحيح أن البلاد قد عرفت تطورا كبيرا على مستوى التنويع و الجودة للمواد الموجهة للتصدير وخاصة في المجالات الميكانيكية و الإلكترونيّة و الصيدليّة إذ تتقدّم تونس على الكثير من اقتصاديات المنطقة في مؤشر تنوع النسيج الاقتصادي، خاصّة على منافسها التقليدي المغرب (انظر الرسم الأول). غير أنه يجب تدعيم هذا الموقع في سلسلة القيمة  الدولية لتحقيق مستويات نمو كافية لخلق مواطن شغل جديدة، تتمكن من استيعاب نسب البطالة التي ما تنفكّ تزداد يوما بعد يوم. يؤكد الاقتصاديون “رودريك” (2006) و “هوسمان “(و من معه) (2007) [11] انطلاقا من عديد الأعمال النظرية التي قاموا بها أن الاقتصاديات المتخصّصة في المواد ذات القيمة العالية تتطور بسرعة أكبر من مثيلاتها المتخصصة في المواد القاعديّة. كما يستنتج هؤلاء بأن الاندماج الأمثل في سلسلة المعايير الدولية سيمكّن من توفير عديد الفرص للتحولات

الهيكلية ،خصوصا لدى البلدان التي هي في طور النمو.

إضافة إلى السياسة التصنيعية الموجهة و الاستثمار المستمر في الكفاءات ،تشكّل موائمة القوانين و التخفيف من الإجراءات الديوانية المنصوص عليها في الأليكا عنصرا هاما للمساهمة في خلق مناخ أعمال مساعد على جاذبية ممتازة للاستثمارات الأجنبيّة المباشرة و تموقع جيد لتونس في سلسلة القيمة الدوليّة

قطاع خدماتي يرتكز أساسا على المواد غير التقليدية

في تونس سجّل الميزان التجاري للخدمات في العموم منحى إيجابيّا بشكل شبه دائم و كان يمكن له الوصول مع عائدات المصنّعين إلى سد عجز الميزان التجاري الذي وصل إلى مستويات قياسية في السنوات الأخيرة. لكن على الرغم من أهميتها ، ولّدت هذه الخدمات التقليديّة إيرادات غير مستقرّة و ظلّت معتمدة بشكل كبير على الظروف الأمنية للبلد. علاوة على ذلك ، تفتقر التجارة في هذا القطاع، على عكس المنتجات الصناعية إلى التنوع، سواء كان ذلك من حيث الخدمات التي يتمّ تصديرها أو الأسواق المستهدفة.ففي عام 2017 مثّل السفر و النقل 70 بالمائة من إجمالي الصادرات ، 60 بالمائة منها كانت موجّهة لثلاثة أسواق فقط ،و هي فرنسا و إيطاليا و ألمانيا ( الرسمين 2 و3).

و مع ذلك، تتمتع تونس بإمكانيات كبيرة في الخدمات الأخرى، و التي لا تمثل سوى جزء صغير من الصادرات،و لكنها ارتفعت بشكل حاد في السنوات الأخيرة، على غرار خدمات الإعلامية و الرعاية الطبية، و التي سجلت نسبة نمو بنسبة 34 بالمائة و 50 بالمائة على التوالي بين سنتي 2017 و 2018.[12] إن استقطاب اتفاقية الأليكا لهذه القطاعات الواعدة سيسمح بالمزيد من الابتكار و تحسين جودة المنتوج سواء للمستهلكين المحليين و الأجانب. و بالتالي يمكن أن يلعب هذا القطاع دور القاطرة و يدفع الاقتصاد إلى الأمام. تجادل العديد من الدراسات كذلك بأن فتح الأسواق الأوروبية أمام الشركات التونسيّة ضمن اتفاقية الأليكا،سوف يسمح لتونس بالحفاظ على مهاراتها الشابة التي [13]تسعى حاليّا لمغادرة البلاد و حرمان وطنها الأمّ من قيمتها المضافة العالية.

و مع ذلك يجب ملاحظة أن تطوير قطاع الخدمات التونسي و تحسين قدرته التنافسية مشروطين إلى حد كبير بعاملين أساسيين : أولهما تحديث الخدمات اللوجستية و النقل، و خاصة النقل البحري، الذي يشكل حجر الزاوية في التجارة الدولية. أما الثاني فهو إدخال مزيد من المرونة في تنقل مسدي الخدمات و تسهيل إصدار التأشيرة. المفاوضات حول هذا الأمر ليست جزءا من اتفاقية الأليكا و لكن سيتم التطرق إليها بشكل منفصل في إطار شراكة التنقل بين الطرفين ، و التي يجب أن يتم طرحها ضرورة بالتزامن مع اتفاقية التجارة الحرة المعمّقة.

إرساء نهج تشاركي و انخراط متزايد من المجتمع المدني و القطاع الخاص

على عكس الاتفاقيات السابقة، استفادت الأليكا من حملة إعلاميّة كبيرة و مشاورات واسعة النطاق مع مختلف أطياف المجتمع المدني. و على الرغم من أن مختلف الجهود التي بذلت غالبا ما تعتبر منقوصة، خاصة في ما يتعلّق بشفافية المقترحات من الجانب التونسي، إلّا أن  العمل في المجال الاتصاليّ كان جيّدا إلى حدّ الآن[14]. يكمن الإشكال الأكبر في الاتفاقات الإقليمية في أنها غالبا ما تُقدّم بلغة قانونية معقدة للغاية، و من الصعب تقييم آثارها الاجتماعيّة و الاقتصاديّة. و هي إلى ذلك قد تنطوي على تكاليف كبيرة قصيرة الأجل و مركزة على أطراف اقتصادية معيّنة في حين لن يتم التوزيع العادل للمكاسب على مجموع الفاعلين الاقتصاديين سوى على المدى الطويل. هذا الغموض لا يمكن إلا أن يغذي جانب الخشية و عدم الثقة تجاه اتفاقية الأليكا ، و التي ستوفّر بالتأكيد فرصا للبعض و تهديدات للبعض الآخر، لكن من المرجّح أن يساعد التواصل الجيد و الواعي في تحديد المخاطر و الحلول للتغلّب عليها. إن النقاش مع الأطراف المتضرّرة حول إمكانية تعويضهم و القيام بجملة من التدابير المصاحبة سييسّر من المساهمة في قبول الإصلاحات باهظة الكلفة التي يخشاها الكثيرون.

رغم ذلك، فإن الجدل المرافق لاتفاقية الأليكا، سواء كان مساندا أو معارضا لها و الزخم الذي نشأ من خلال المناقشات التي حرّكها المجتمع المدني، لا يمكن إلّا أن يكون تمرينا جيّدا للديمقراطية الفتية. و مع هذا، يجب أن تأخذ النقاشات حيّزا تقنيّا أكبر وذلك برفع منسوب الوعي لدى المهنيين في مختلف القطاعات المشمولة بالاتفاقيّة.

الخاتمة

صحيح أن السياق الحالي، وطنيا و دوليّا لا يساعد على المواصلة بنسق حثيث في مفاوضات اتفاقية الأليكا، لكن إيقاف هذه المفاوضات سيكون خطأ كبيرا، إذ أن ذلك سيكون مرتبطا بإعاقة الإصلاحات الرئيسيّة في تونس. في الواقع، لا ينبغي اعتبار اتفاقية  الأليكا هدفا في حد ذاتها، بل يجب إدراجها مسبقا في إستراتيجية و رؤية أكثر شمولا تطرح هذه الأفكار: أي منوال فلاحي نريده للمستقبل؟ كيف يمكننا دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في سعيها للحصول لمكانة أفضل ضمن سلاسل القيمة الدولية؟

يجب أن تستفيد تونس على الوجه الأمثل من المبدأين الأساسيين لهذا الاتفاق، أي التدرّج وعدم التناسب لتحديد أولوياتها و إتاحة الفرصة للأليكا كي تصبح عاملا محفّزا للإصلاح.

غير أنّه تجدر الإشارة إلى أنه إلى جانب المخاطر و المزايا الاقتصادية، يظل الالتزام بالاتفاق الإقليمي مسألة سياسية بالدرجة الأولى. لا شك في أن الاستقرار السياسي يمكن أن يوفر مناخا من الثقة قد يجعل الإصلاحات مقبولة عموما و ضمن نسق حثيث. غير أنّه من ناحية أخرى، من الصعب جدا قيادة المشاريع الكبيرة في حالة التوتر. لقد أصبحت معارضة الأليكا حجة تستخدم على نطاق واسع في الحملات الانتخابيّة لبعض الأطراف الشعبوية. و في الوقت نفسه ينبغي التذكير بأنه عندما تستمر المفاوضات، سيبقى انعدام الثقة مسألة ملحة. نظريا و حسب مبدأ التدرّج ،فإن تونس حرّة في تقرير “التوقيت “و “الموضوع”، و من الضروري أخذ الحيطة من أن هذه القرارات لا تلبّي مصالح بعض جماعات الضغط . و هنا تحديدا يظهر الدور الأساسي للمجتمع المدني ، الذي يظل الضامن الرئيسي لمنع هذه التجاوزات.

التوصيات

لضمان نجاح اتفاقية الأليكا يجب أن تتوفر الضمانات التالية:

1- إدماج الأليكا ضمن رؤية شاملة للاقتصاد التونسي و اعتبارها محفّزا للإصلاحات الكبرى، وذلك بتثمين الإضافات التنافسيّة الموجودة و تعزيز القطاعات الواعدة.

2-تطوير الميزات اللوجستيّة ( تحسين البنية التحتيّة المخصصة للنقل، تعزيز الشفافية في ما يخص المواد التي سيتم استثنائها من الاستخلاص الجمركي، و ما إلى ذلك) من أجل ضمان جاذبيّة أفضل للاستثمار الأجنبي المباشر و زيادة الاندماج في سلسلة  القيمة الدولية CVM ، و بالتالي تعزيز القوة التفاوضية لتونس.

3- تدعيم الجانب الاتصالي، خصوصا مع الأطراف المتضررة من الاتفاقية ، و على رأسها فئة صغار الفلاحين، بشأن تكلفة التكيّف مع التدابير المصاحبة الموجودة في الاتفاقيّة.

4-قدرة تفاوضيّة جيّدة تسمح بالاستخدام الأمثل لمبدأ عدم التناسق و مبدأ التدرّج و اختيار المسار المتّبع من خلال “القائمة الإيجابيّة” كبديل عن “القائمة السلبيّة”.

5-توفير مساعدة ماليّة و تقنيّة هامة، تكون مشروطة بتتبع المسار الإصلاحي المعتمد.

6-مضاعفة اللقاءات مع ممثلي الدول الموقعة على اتفاقيات التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي على غرار أوكرانيا و مولدوفيا، و خصوصا جورجيا ،من أجل تبادل الخبرات وتطوير قدرات المفاوضين التونسيين.

7-الحرص على إبداء قدر أكبر من الشفافيّة فيما يتعلّق بالمقترحات المضادّة المقدمة من الجانب التونسي ، و التي لم يتمّ الكشف عنها للعموم على عكس المقترحات المقدّمة من الجانب الأوروبي، التي يتم نشرها و تحديثها تباعا على موقع اللجنة.

8-تعزيز مشاركة المجتمع المدني و الملتقيات الجهوية المخصّصة للغرض، لكي لا يصبح هذا الاتفاق مجرد وسيلة لخدمة مصالح بعض اللوبيات الخاصّة

[1]  تمّ توقيع أول اتفاق اقتصاديّ بين المجموعة الاقتصاديّة الأوروبية لدول الست و تونس في مارس من سنة 1969 [2]  توجد جذاذة تقييمية لكل قطاع في الرابط التالي : http://www.aleca.tn/decouvrir-l-aleca/domaines-de-l-accord/[3]  في 24 ماي 2019 تم تأسيس الائتلاف الوطني المناهض لاتفاقيّة الأليكا بقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل و الاتحاد التونسي للفلاحة و الصيد البحري بالإضافة إلى عديد الجمعيات و المنظمات[4] Transatlantic Trade and Investment Partnership. [5] Comprehensive Economic Trade Agreement. [6]Adarov, A and Havlik, P « Benefits and Costs of DCFTA: Evaluation of the Impact on Georgia, Moldova and Ukraine», WP (2016). https://wiiw.ac.at/benefits-and-costs-of-dcfta-evaluation-of-the-impact-on-georgia-moldova-and-ukraine-dlp-4111.pdf  [7] https://trade.ec.europa.eu/doclib/docs/2016/april/tradoc_154484.pdf [8]  مثل التحفظ على نسبة لا تتجاوز ال20 بالمائة من قيمة صفقات الأشغال و الدراسات و التزويد بالمواد و الخدمات للشركات التي توظف عددا يتراوح بين ستة و 49 عاملا (الأمر الحكومي عدد 561 لسنة 2008 المؤرخ في 4 مارس 2008) [9] IACE, « Indice de perception de l’ALECA en Tunisie », http://www.iace.tn/wp-content/uploads/2017/06/INDICE_PERCEPTION_ALECA_edition_2_2017_NBA.pdf  [10]FTDES, « Perceptions de l’Accord de Libre Echange Complet et Approfondi (ALECA) : Etude des attentes et conséquences économiques et sociales en Tunisie », Octobre 2018, p : 31. [11] Hausmann R, Hidalgo C, Klinger B, & Barabási A,  « The product space conditions the development of nations Science», Jul 2007, 317(5837), p : 482-487. Rodrik D, « What’s So Special about China’s exports? », China & World Economy, 2006, 14 (5), p: 1-19. [12] معطيات متوفّرة ضمن تقرير البنك المركزي لسنة 2018[13] Rapport Solidar (2018) p : 10. [14] تم بعث موقع إلكتروني من قبل وزارة التجارة و الصناعات التقليدية التونسية لبث و تبادل المعلومات مع المجتمع المدني حول الأليكا http://www.tunisie-ue-aleca.tn/.

المراجع الببليوغرافية
المساهمون

لمياء جعيدان مازيغ

أستاذة محاضرة ومسؤولة عن ماجستير البنوك والتمويل الدولي بكلية العلوم الاقتصادية والتصرف بالمهدية، جامعة المنستير. الأمينة العامة لجمعية DREMA. متحصلة على الدكتوراه من جامعة السوربون باريس. بحوثها تتركز أساسا على الاقتصاد العمومي والاقتصاد الدولي.

العودة إلي أعلى